العولمة في واقع الأمر ظاهرة تقنية محايدة ( محايدة من الناحية النظرية على العكس من الناحية العملية ) تتمثل في الثورة المعلوماتية و الإعلامية ؛ أما التوظيف السياسي لها و الذي ترافق مع إنهيار الكتلة الشرقية ، فالواقع أنه مجرد حرب نفسية تهدف إلى تدجين الشعوب و المجتمعات من قبل الغرب بقيادة أمريكا و أوروبا ؛ فاللذين يتحدثون عن إنهيار جدار برلين في ألمانيا و بنفس الشعارات قامو ببناء جدار أكبر منه في السودان و المثمتل في منطقة آبيي الغنية بالنفط المتنازع عليها بين الشمال و الجنوب ؛ فضلا عن الجدار الذي يفصل فلسطينيي غزة و الضفة الغربية و المتمتل في كيان و نظام المرتزقة الإسرائيلي ( كما عبر على ذلك أحد الأمناء العامين لحلف شمال الأطلسي قائلا : لقد وجدنا في إسرائيل النظام المرتزق الذي طالما بحتنا عنه ) .
في المجال الإقتصادي ليست هنالك عولمة بل هنالك مشروع عولمة ، فالتعاون الإقتصادي كان قائما داخل الكثلة الغربية في إطار الهيمنة المالية و النقدية الأمريكية ؛ ولما إنهار الإتحاد السوفيايتي و ثم التخلي على المقاربات التنموية الشمولية على نطاق واسع من العالم و إنفجار أزمة ديون العالم الثالت تحت ضغط المؤسسات المالية و النقدية الدولية و إتفاقيات التسهيل الكمي التنائية ذات المشروطية السيادية ، رفع شعار العولمة و النظام العالمي ( بما في ذلك النظام الإقتصادي العالمي ) الجديد ، و الحتمية التاريخية و مجتمع ما بعد الصناعة ، ... ؛ فالغاية من ذلك تتمثل في إضعاف السيادة الوطنية في ظل شعارات أممية رأس المال و تحرير الأسواق و تعديل التشريعات ، ... الخ .
بالنسبة للعولمة المالية فالواقع أن هيمنة الدولار الأمريكي على مستوى العلاقات الإقتصادية الدولية كعملة إحتياط عالمي ساهمت في تطوير الأسواق و المؤسسات و المنتجات المالية و النقدية ( أوروبا ، جنوب شرق آسيا ، اليابان ، على وجه التحديد ، ...) ، ثم روسيا و الصين و الهند ، و بدرجة أقل الدول العربية النفطية ؛ فالعولمة المالية و التي ساعدة على إنتشارها و تطويرها التكنولوجيات الحديثة للإعلام و الإتصال على نطاق واسع من العالم ، تعد في الواقع ترتيبات لهيمنة الدولار الأمريكي على الإقتصاد العالمي و آذات فعالة لمحاربة العملة الأوروبية الموحدة و التي يجب محاصرة إنتشارها على المستوى الجغرافي العالمي و العمل على تدميرها في المهد . أما المبادلات التجارية الخارجية و الإستثمارات الأجنبية المباشرة فقد كانت من العوامل التي ساهمت في تطور مجموعة الدول الليبرالية الغربية ، إلا أنها إنحصرت في مناطق التجارة الحرة و الإتحادات الجمركية و الأسواق المشتركة ، على حساب المنظمة العالمية للتجارة ؛ ليصير دور هاته المنظمة يتمثل في تعديل التشريعات الداخلية للدول و تحرير حركة رؤوس الأموال الخارجية ؛ كما أن هذا الكلام لا يعني إنكار ضرورة الإنضمام إلى هاته المنظمة من أجل كسب أسواق خارجية في إطار الإستفادة من النظام التجاري المتعدد الأطراف ، فتحقيق التنمية تتطلب المجال الجهوي ( مثال تطور دول جنوب شرق آسيا كنتاج لتطور إقتصاد كل من كوريا الجنوبية و ثايوان ) ؛ أما السيطرة على الأسواق فإنها تتطلب ظرورة الإنضمام إلى المنظمة العالمية للتجارة .
الأزمة المالية و الإقتصادية العالمية الراهنة لم تكن بفعل العولمة ، فعلى طول تاريخ الليبرالية هنالك أزمات مالية و أخرى حقيقية ؛ كما أنه و في غالب الحالات فإن هاته الأزمات المالية يتم تصنيعها ؛ كما أنه ليس هنالك إطار قانوني يضبط مفاهيم العولمة بل هي مجرد شعارات و تعابير عن الوضع العالمي ( في المجالات التقنية ) أو المستقبل و السيرورة التي تحكم العالم و العلاقات الدولية ؛ فالعولمة المالية مازالت تعاني من صراع بين الدولار الأمريكي و العملة الأوروبية الموحدة ، كما أنها لم تصل بعد إلى دول الجنوب الفقير بل هنالك في أفضل الأحوال أسواق مالية في ظل تشريعات تقيد من حركة رأس المال ، فضلا عن أنظمة أسعار الصرف المختلفة ( هنالك 11 تنائية قطع ل 7 عملات في الفوركس فقط ) و التي تتبعها الدول و الصين أفضل مثال على ذلك .
العولمة عبارة عن مجموعة من المشاريع الغربية التي تهذف إلى تدجين الشعوب و المجتمعات و إضعاف سيادة الدول و السيطرة على مقدراتها و ثرواتها ، و التي يثم الترويج لها إعلاميا و التنظير لها فكريا و أكاديميا ، و التشريع و التنظيم لها أمميا و دوليا و جهويا ، في مختلف المجالات الإقتصادية و الإجتماعية و التقافية و الإنسانية و العسكرية ، ... الخ ؛ إلا أن هاته المشاريع تصطدم بالمثالية و المصالح و المجالات الحيوية للدول العظمى الليبرالية ، من أجل السيطرة الإستراتيجية على العالم .
boubertakh_salah@yahoo.com |